شريط الأخبار

عبدالرحمن الحمرانيعبدالرحمن الحمراني

حين يتحول الازعاج إلى ثقافة

00:05 | 08.08.2021 | مقالات الرأي



حين يتحول الازعاج إلى ثقافة، والفوضى الى سلوك، فإن المجتمع يتخدر ويتعايش وإن تدريجياً مع هذا الوضع.. 


ظاهرة الازعاج و الصخب لا يجب أن تكون طقساً متعلقاً بالمجتمع مطلقاً، فهي دليل على التخلف مهما حاولنا تبريره تعسفاً.


 وذات مرة قال أحد المثقفين اليمنيين في الغرب إنه:" يشتاق لسماع صوت سيارة الايسكريم بعد العصر، أو الصوت الهادر للغناء في الأعراس ... " ، وانما قال هذا لأنه في مجتمع يسكنه الهدوء والنظام، ولو عاد الى اليمن سيتمنى لحظة من صمت. على أن هذا الأمر لا علاقة له بالإرتباط الروحي والوجداني للبلد الأم، والاشتياق له؛ فعوامل الجذب الحضارية للوطن كثيرة، و لا مبرر للإستعاضة عنها بأي عامل للتخلف..


 


  نحن أمام حالة من الفوضى المجتمعي، والخطورة تكمن في اعتقاد البعض أنها جزء من ثقافتنا وهويتنا. وهذا غير صحيح؛ إذ متى كانت الأذية وازعاح الناس ثقافة أو هوية وسلوك حضاري؟!


تتطور الأذية مع كل تراجع في تطبيق القانون، وتقصير في التثقيف والتوعية. 


ساضرب لكم مثلا بسيطاً فقط.. حتى اللحظة ونحن في الساعة العاشرة مساء لا زالت السماعات تهز الحارة بأغاني الأعراس، هذا الحال استمر معنا منذ شهر تقريبا، ولم يتوقف الا في أيام متقطعة، ولكم أن تتخيلوا حجم الأذى!!


 ولأهل العريس/ العروس هنا سؤال؟! أوَ تظن أننا نشاركك فرحك حين تصُم آذاننا وترفع من ضغطنا بمكبرات صوتك! 

أو لا تعلم أنك كلما رفعت صوت المكبرات، نرفع أيدينا الى الله نشكوه منك ونحول أمرنا اليه، ونكبر عليك..


   أوَ لا تعلم أنك حين توقف مكبرات الصوت في أوقات الصلوات احتراما للصلاة كما تدعي، أنك لا تحترم القيمة التي أتت لاجلها الصلاة ( النهي عن الفحشاء والمنكر ). وأي منكر أعظم من الأذية!!


و تتابعا لسردية الفوضى اليومية، فإن الإمام ما ان ينتهي من صلاته، حتى يدوي المسجد بصوت واعظ كأنما يُحدث شجاراً مع أحد، هذا الصوت المزعج يطفح بالوعظ الملائكي الذي يطالب الناس أن يكونوا ملائكة لا بشراً، وبلغة متعالية يتهمهم بالنقص وفساد الضمير.. وحين يُنهي حديثه، يرتفع صوت الغناء - مرة أخرى- مدوياً في الحي، يخترق طبلة الأذن، ويشوش على ذبذات التفكير والإبداع..


هذا جانب. أما موضوع أبواق السيارات فأمر آخر! 


 أنت لست محظوظ إن كنت تسكن بالقرب من الشارع، فلتستمع لسينفونية ( البوري - الهون) من الموتورات والسيارات والناقلات.. وهي توخز في طبلة أذنك.. 


أتذكر أول ما دخلت السعودية، اتصلت على صديقي في اليوم التالي من وصولي جدة، فسألني ما الذي لفت انتباهك؟!

 قلت له وبدون تفكير: الهدوء، لا يوجد أي مظاهر للازعاج، ولولا اني انظر للشارع الان لظننت أن لا سيارة فيه.


  ولا اعتبار لمن يقول: إن الصخب مظهر للحياة والنشاط.. ربما هذا الرأي مقبولاً في كل ما كان الصخب جزءاً من ذاته كالمصانع.. وهذا تُخصِص له الدول في الغالب أماكن بعيدة عن المدن، أو تُقنن له قوانين لمنعه. 


  لكننا أمام حالة من الازعاج المُفتعل، أمام تدني في القيم، وعدم احترام للذوق العام، ومجاهرة وتحدي بالوقاحة.. 


-ماذا عنك وأنت بين كم هائل من مصادر الصخب؟!  


 تتلاشى معه أفكارك، ويسكن الضجيج في داخلك، ويتحول نمط حياتك الى وضع مليء بالتوتر وقلة النوم وعدم الراحة النفسية، لما يشكله هذا الضجيج من ضغط نفسي على عقلك وجهازك العصبي.. 


لذلك فإن المسؤولية الكبرى تقع على كاهل أجهزة الدولة في منع مصادر الازعاج، وقطع أوداجها، حتى يسود السكينة والهدوء في المجتمع.. 


وهي مسؤولية المجتمع - أيضا - في الحفاظ على رقي الحياة، بالتطبيق الذاتي، والكف عن كل عمل من شأنه ازعاج الناس.

اهم التصريحات المزيد

فيديو

المزيد